هُطُولٌ ..
على مشارف « قريتي » ..!!
•• كتب : « عبدالرحمن القرني »
صحيح .. أن الحياة ليست بعدد السنين ولا بطول الليالي ومرور الأيام .. الحياة هي بقدر ما نعاني منها وبقدر ما نعرف فيها من الآم .. « قريتي » عادية جداً .. هذا هو الوصف الوحيد الذي أستطيع أن أصفها به .. فجلسة على صخرة حصن « البليد » المطل على منازل القرية التي كانت سكن آبائي وأجدادي وقومي وعشيرتي تناولت قلمي الحزين مرفقاً بدمعة الحائر ولثمت الذكريات عند صخور هذا « الحصن » وقبلته .. ألا ترى أن هذا الحصن بصخوره احساس ووفاء لذكرى بعيدة من ذكريات فراق العمالقة الذين رحلوا ..؟؟ صورة من الصور الجميلة باقية في مدفنها لم تأكلها السنون الطويلة .. « وبعد » : الهواء يهب رقيقاً عذباً .. والهدوء ينشر سكينته فوق مشارف القرية .. وقد بدت البيوت ساكنة وتباشير الصباح تنسج خيوطها البيضاء على صفحة السماء التى بدت زرقتها هادئة مطمئنة بعد أن طوى الليل أطرافه متسللا يسحب عبائته فوق الجبال الخضراء .. وصلت وحدي إلى مشارف « قريتي » وتسللت داخلها .. نظرت الأبوب القديمة والأزقة المفعمة بغبار عابر حملته الرياح .. والخربيش الراسخة على جدران القرية التي خطتها يدي أيام الصبا .. كانت تشكل بقايا مراهقتنا .. توقفت وتغرست فيما حوالي مستحظراً جميع الأشياء التي تربطني بهذه القرية .. مستلهماً ذكريات الأيام التي كانت جميلة بحق .. تذكرت الطفولة وبراءتها .. والصبا وفضوله .. لقد ذهب زمن وجاء آخر.. وها أنا الآن مجرد ذكرى جميلة تؤرخ لجنون ورومانسية بلا حدود .. ليتني لم امر من تلك الزقازيق .. توقفت ودمعي يمطر بحراقة على خدي .. نظرت إلى النافذة التي كانت تطل منها تلك الصبية وهي ترتدي الثوب المزركش والمنديل الاصفر والعصابة الحمراء في ليلاً دامس فتصبح كالبدر في ساعة الصفو .. وكنت في حينها أرصد النجوم المتدفقة من عينها .. كانت عيناي تسابقني وتخترق الجدران العالية لترى وجه تلك البنت « الحسناء » إلى القلب طال زمان الشوق إليها .. غمرت إحسس كل جوارحي التي تحولت إلى جوقة تنشد نشيد الحبّ وتعزف فرحة اللقاء .. لقد فقدت صوتي في النداء .. فلا حياة لمن تنادي .. اسمع صدى صوتي فقط .. واحس وكأنه عاد ليلطمني في وجهي فأقع على الأرض مغشياً .. تفتحت عيني ونظرت الأفق واذ أنا بتلك العجوز التي قوس الزمن ظهرها .. بعدما عاشت حياته في قريتنا .. تذكرتها عندما كانت تجول القرية وتتلقى اخبارها وتبثها في لحظتها .. هاهي الأيام مضت .. والذكريات ولت .. والشباب انقضى .. ولم يعد هناك سوى الاستمتاع بذلك الهوى الطري ..لقد تكور جسمها وبانت كهولتها في اصداغه وملامح وجهها .. ذهب صباها عندما كنت طفلاً .. انه الزمن « أس » .. !!
أين هم « أهل » القرية .. أين المرؤة والشهامة ..؟؟
رحلوا .. نعم « رحلوا » ورحلت معهم .. ورحلت تلك الصبية الحسناء .. وبقيت دموعي تقطر الماً وجرحاً حتى غيرت ملامح وجهي .. وبقي رفيقي الحزن الذي لازمني بقية أيامي .. ولم يبق لي إلاّ « الرحيل » إلى مكان لا أسمع فيه نقيق الضفادع .. وأجلس لوحدي في هدوء .. لقد ضاقت بي الدنيا ولم اجد مخرجاً منها .. قبل أن يودعنا ذلك المساء البعيد .. ترجلت مواعدنا .. أخذت موعدي .. أبقيت لك موعدك .. !! ما أجمل ذكرياتنا عن « القرية ».. !! ما أجملها يوم تخيط لنا أمهاتنا ثوب عيدنا وتقيسه علينا قطعة من الخام الذي لا يرهق ثمنه لقمة العيش ..!! ما أجملهـا يـوم نقف على مآذن مساجدنا نرقب هلال العيد في أفق السماء .. شاحبًا كالخيط الدقيق .. يوم يراه أحدّنا بصرًا .. فيدلي بشهادته عليه .. نصفق له ونرقص في أفواه طرق القرية فرحًا بليلة العيد وصباحه .. مع طلوع الشمس نطلع من بيوتنـــا البسيطــة لابسين زينتنـا البسيطة ذاهبين إلى مصلانا .. فيه يقبل بعضنـا بعضًا ونعـود منــه إلى أفواه الطرق .. كــل منا حامل عيده الذي أجهدت أمه نفسها في أن يكون من أطيب الأعياد .. كل منا يفاخر صديقه وأخاه بعيده .. يقوم هذا إلى عيد ذاك ليذوقه ولا يتثاقل واحد منا عن عيد والدته ويجلس وحــده .. وشركتنا في الأعياد مثل شركتنا في اللباس .. وشركتنا في المصلى .. وتداعينا نأخذ بعضنا بعضًا بالأحضان بعد أنتهاء خطيب القرية جدي رحمه الله « عبدالله » .. وما أجمل صاحب القلب الصافي وصاحب البيت المفتوح بالكرم رحمه الله « شبرين » بعد الخطبة .. وما أجمل صاحب الحكمة والفتل والنقض والشوار رحمه الله « الحبي » زعيم ذلك الجيل .. ولم ننسى ذلك الأسد رحمه الله « علي سويد » رجل ممتليء ببهجة الجنوب وخضرتها.. بشمسها .. وأقمارها .. ظل وفياً كزهرة طالعة من صخور حضوضا الجاثية .. سجل له التاريخ بصمة التضحية من أجل قبيلته وهي بصمة تروى لكل الأجيال .. من بيت رفيع المقام هو .. ظل وفياً لأرث الكرامة والشرف .. مواقف كثيرة كان فيها أصيلاً .. لا اود أن استعرض كل « أسر » القبيلة بمواقفهم القوية كقوة الحديد .. فلن تكفي « مجلدات » في ذكر محاسنهم .. « فعذراً » لكم جميعاً عن القصور.. وغير قصور في باقي سكان القرية الذي سجلوا بطوالتهم في حماية القرية.. رغم شظف العيش وصعوبة الحياة وشح الموارد .. ما أكثر كرم القبيلة وأرحب نفوسهم وأطهرها .. يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .. لا يمكن أن يشبع الرجل وجـاره جائع .. مجتمــع بسيـط خلافاته بسيطة .. مشاكله غير معقدة .. يتساوى الجميع في اللبس .. في السكن .. في العيش .. ولم نغفل إلى جانب الشخصيات النسائية ومنهن « عائشة » رحمه الله تلك المرأة الشجاعة التي سجلت بطولاتها الحربية في مقدمة القبيلة .. وهي تحمل سلاحها الفتاك .. وهي تردد يا حسرتي على بعض رجال القرية « المتخفين » والمتخلفين عن رجال القبيلة ..!! ها أنا الآن على مشارف « القرية » بيوتها الحجر البسيـطة الـذي بناه الجد والأب وولـدت فيه الجدة والأم أفراخها .. جار عليه ابنائها اليوم ، تهدمت وأصبحت متناثرة .. وسعوا بعض ابنائها « العاقين » بتشتيت قيم الأجداد وبساطتهم .. هذا المصير هو « مصير » مفجع يحرق النفس .. ويعذب الوجدان .. وها أنا أكتب لكم هذه « الرسالة » من فوق السحاب .. من فوق المحيطات .. وهي أجواء ليس فيها مدفن لعزيــز علينا .. وليس فيهـا رائحة الخزامى وشجرة الرمث .. وليس فيها مضرب خيام امرئ القيس أو قس بن ساعدة .. حملت إليكم مشاعري وحنيني إلى « قريتي » الجميلة العميقة التي تجاوزتْ أخطارها وظلمتها ووحشتها جمجمة الإنسان المعاصر .. وما أنا الآن في قلب هذه « القرية » التي لم يبق منها إلا رموز لذكريات في قلب « كقلبي » حملها التاريخ واندفنت في بطنها هذه الحجارة المبعثرة والمهدمه .. ولم تجد من يرحمها ويشفق عليها .. ولم يبق منها إلاّ « الوحشة » وهي تعيش النكران والجحود « وعقوق » أبنائها .. بعدما حملنا قلوب أهل القرية الطاهرة ومشينا بجنائزهم وصلينا عليها .. عبر طريق الوادي دون أن اعتراض مسيرتهم أحد حتى وصلنا ذلك المدفن .. وهلنا عليهم التراب مع الترحم .. فهم « رحلوا » .. « رحلوا » رحمهم الله .. !! « وسامحونا »
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق